22 فبراير 2026
آمنة محمد القويطعي تكتب: بينَ سُطور كتابِ "علّمتني الحياةُ"

كِتابُ "علّمَتْني الحياةُ" ليسَ مُجرّد صفحاتٍ، بَلْ مدرسةً صادقةً من الحكمةِ، وتجربةً ثَريّةً تَرْسُمُ طريقًا من النّجاحاتِ،  ومع مُرورِ عشرين عامًا على تولّي صاحب السموّ الشّيخ محمّد بن راشد آل مكتوم – رعاهُ اللهُ –رئاسَة العَملِ الحكوميّ في دولةِ الإماراتِ، يبرُز الكتابُ كَمِرآةٍ لتجربةٍ قياديّةٍ مُلْهِمَةٍ أثبَتَتْ نَجاحَها على أرضِ الواقعِ قبلَ أن تُدَوَّنَ لِتُحفَظَ في التّاريخ، وتُروى للأجيالِ، وتُلْهِمَ القادةَ، إذ يقولُ في مَطلعِه: "أردتُ هذا الكتابَ بسيطًا في كلماتهِ، صريحًا في عباراتهِ، حقيقيًّا في مَعانيهِ، حتّى يصلَ من القَلْبِ لِلْقَلْبِ".

الإنسانُ .. قبل الـمَنْصبِ
تبدَأ رحلةُ القائدِ من الجُذورِ، من الطّفولةِ والدُّروسِ الأولى الّتي تُشكّل الإنسانَ الّذي يكبُر في ظلّ العائلةِ، وهُنا نلمَحُ حِسّ الـمُلاحظةِ في الابنِ الَّذي يدرُسُ نَهجَ والدِهِ، فيتحدَّثُ سمُوّهُ في مقالةِ "رحمَ اللهُ أبي" عن دُروسٍ تعلّمها من حياةِ والدهِ، كَالتّسامُحِ والكرمِ والتفكُّرِ، وهي دُروسٌ تركَت أثرًا عميقًا في شخصيّة الابنِ القائدِ لاحقًا، إذ يقولُ عن والدهِ: "كان بعيدَ النّظرِ، دقيق البحثِ في كُلّ الأمورِ، لا يُحبّ العجلةَ، ولكنّه إذا عزم على أمرٍ لم يتردّد". 

وفي مقالةٍ أخرى بعنوانِ "نحن بشَر"، نعودُ إلى أصلِ القائد وإقرارٍ بطبيعتهِ البشريّةِ، فكما يقولُ : "نحن بشرٌ، القراراتُ لن تكون صائبةً 100% من الأوقاتِ"، ومع ذلك يؤكّد: "تقبّل الخسارةِ حكمَة ونُضجٌ يمنحُ الإنسانَ الطّاقةَ للانطلاقِ من جديدٍ"، وفي اختصارٍ لحياةِ الإنسانِ يقولُ في إحدى المقالاتِ: "أتينا دون شيءٍ، وسنذهبُ بدون شيءٍ، هي رحلةٌ كالحُلمِ".

الرّؤيةُ وصياغةُ الأفكارِ
ما يتعلّمهُ الإنسانُ من الحياةِ لا يَبقى إحساسًا فحسبُ عند القادةِ، إذ تتحوّلُ دروسُ الطّفولةِ البسيطة إلى أحلامٍ كبيرةٍ، وتُصبحُ العثراتُ وقودَ إصرارٍ للنّجاحِ، ويرى سموّهُ أنَّ الرّؤية والتّخطيطَ لا ينفصِلان عن الحركةِ، فَلا تُرْكَنُ الرّؤيةُ للأمانِيّ، وَلا الأفكارُ للأحلامِ، إذ يقولُ: "الإنجازُ هُو وليد الحركةِ"، ويؤكّدُ على اقترانِ الرؤيةِ والتّخطيطِ بِالسّعْيِ قائلًا: "الرّؤيةُ تتّضحُ، والخطّةُ تُفْهَم، والطّريق يظهَرُ فقط عندما تبدَأ الحركةَ" ويُضيف: "الرّؤية لا تسبقُ الحركةَ، بل تُرافقها"، وهُنا نلمحُ القيادةَ الحقيقيّةَ الّتي تحوّلُ الفكرةَ إلى حقيقةٍ!

القائِدُ والفَريقُ
تتحوّلُ الرّؤيةُ إلى أثرٍ إنسانيٍّ عَميقٍ، وتَتجلّى روحُ القيادةِ في الفريقِ، حينَ يكبُر طموحُ القائدِ الإنسانِ، وَتشتدّ عزيمتُهُ لِتَحقيق الرّؤيةِ وتَحويلِ خُطَطِه إلى واقعٍ مَلموسٍ، فَـيُحْيي روحَ العملِ الجماعيّ، وهُنا يبدأ العطاءُ الحقيقيّ الّذي يُتَوّجُ مرحلة التعلّم وبناء الذّاتِ، فَمِن إنسانٍ أصيلِ القِيَمِ عَميق الفِكْرِ، إلى مُحَفّزٍ لِفَريقٍ تَتلاشى فيهِ الأنانيّةُ، كما يقولُ: "القائدُ الحقيقيُّ لا يُقاسُ بما أنجزَهُ بِمُفردهِ .. بل بِما أنجزَهُ مع فريقهِ"، فهُو يرى أنّ "الفريق القويّ لا يُحافظُ على النّجاحِ فَحسبُ، بل يخلقُ دورةً مُستمرّةً من النّمُوّ، ويضمنُ أنّ الرؤيةَ لن تنتَهِيَ بِرَحيل القائدِ .. بل ستكُبرُ وتزدهرُ مع الأجيال الّتي تليهِ"، فهُنا القائدُ الَّذي يسعى لِأثرٍ مُستدامٍ، وأخلاقٍ تَحْيا طويلًا، وَقادةٍ يستثمرون الرّؤيةَ ويُطوّرونَ الخُطَط ويتكيّفونَ جيلًا بعد جيلٍ.

كتاب "علّمتني الحياة" نَهجُ قائدٍ، وفلسفةٌ عميقةٌ، وفِكْرٌ قادَ حكومةَ الإماراتِ لِتَحقيق أعلى مؤشّرات الجودةِ، كِتابٌ يُقرأ مرّاتٍ ومرّاتٍ، وَجديرٌ أنّ يجدَ طريقهُ إلى عقولِ الأجيال القادمةِ، لِيَرْسُمَ لهُم خريطةَ طريقِ الإنجازِ، كما قالَ سموّه فيه: "أفضَل إرثٍ نَتركُه ليس الأموالَ،  ولا العمران، بَل الحكمَة الحقيقيَّةَ .. والـمعرفَةَ النّافعَة، والكلمَة الطيّبَة الّتي تتجاوَز حُدودَ الأزمان والأوطان، ويَستفيد منها القاصي والدّاني".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE