22 فبراير 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: الأمان الوظيفي

الأمان الوظيفي ليس مجرد بند في عقد العمل، ولا هو رقمٌ في كشف الراتب، بل هو شعور داخلي عميق بالاستقرار والاطمئنان؛ شعور يجعل الموظف يذهب إلى عمله وهو يعلم أن جهده مقدَّر، وأن مستقبله المهني ليس رهينة مزاجٍ عابر أو قرارٍ مفاجئ، إنه مساحة نفسية آمنة تُمكِّن الإنسان من أن يبدع، ويخاطر بطريقة محسوبة ، ويخطط لحياته بثقة.

الأمان الوظيفي هو الإحساس بالاستقرار والاستمرارية في العمل، مع وضوح الحقوق والواجبات، وعدالة الأنظمة، ووجود بيئة تحترم الإنسان قبل أن تطالبه بالإنتاج، وهو لا يعني الجمود أو البقاء الأبدي في الوظيفة، بل يعني وجود منظومة عادلة وشفافة تضمن للموظف معاملة منصفة وفرصًا متكافئة للنمو.

أما الفرق بين "الأمن الوظيفي" و"الأمان الوظيفي" فدقيق لكنه مهم، الأمن الوظيفي يرتبط بالجانب النظامي والقانوني؛ كوجود عقد رسمي، ولوائح واضحة، وحماية قانونية من الفصل التعسفي، إنه الإطار الخارجي للحماية، بينما الأمان الوظيفي هو الشعور الداخلي الناتج عن هذا الإطار: شعور بالثقة، والعدالة، والاستقرار النفسي. قد يتوافر الأمن القانوني، لكن يغيب الأمان النفسي إذا سادت بيئة التهديد أو الغموض أو المحاباة.

وللأمان الوظيفي شروط لا يتحقق بدونها. من أهمها وضوح السياسات والإجراءات، وعدالة نظام الترقيات والمكافآت، ووجود تقييم أداء موضوعي، واستقرار إداري، وقيادة تتسم بالشفافية، كما يشترط توفر تواصل فعّال يشرح التغييرات ويطمئن الموظفين، إضافة إلى فرص تطوير مهني مستمرة تحمي الموظف من التهميش أو التقادم المهاري.

تكمن أهمية الأمان الوظيفي في كونه حجر الأساس للإنتاجية المستدامة. الموظف القلق يعمل بدافع الخوف، أما الموظف الآمن فيعمل بدافع الانتماء. الأول يكتفي بأداء الحد الأدنى، والثاني يبادر ويتحمل المسؤولية. الأمان الوظيفي يعزز الولاء المؤسسي، ويقلل معدل دوران الموظفين، ويرفع جودة الأداء، ويخلق ثقافة عمل صحية.

وتتجلى أهمية عوامل الأمان الوظيفي للموظف في عدة أبعاد. فالعوامل الفردية تشمل الكفاءة المهنية، والتطوير المستمر، والمرونة في اكتساب مهارات جديدة، والقدرة على التكيف مع التغيير، كلما زادت مهارات الفرد وخبراته، ارتفع شعوره بالأمان؛ لأنه يدرك قيمته في سوق العمل.

أما العوامل الاقتصادية فتتعلق باستقرار الاقتصاد العام، ونمو القطاعات، ومستوى البطالة، وقوة الطلب على التخصص. في اقتصاد مزدهر، يشعر الموظف بفرص بديلة تحميه من الخوف، بينما في أوقات الركود تتزايد الهواجس، ويصبح الأمان الوظيفي أكثر هشاشة.

أما العوامل المتعلقة بالمؤسسة فتشمل قوة مركزها المالي، واستراتيجيتها طويلة المدى، وعدالة قيادتها، ووضوح رؤيتها، وثقافة التقدير والاحترام داخلها. المؤسسة التي تملك رؤية واضحة وتدير مواردها بكفاءة تُشعر موظفيها بالاستقرار حتى في أوقات التحدي.

تحقيق الأمان الوظيفي يبدأ من بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الثقة. ويتطلب ذلك وضع سياسات عادلة وشفافة، واعتماد نظام تقييم أداء موضوعي، وتوفير مسارات مهنية واضحة، وتقديم برامج تدريب وتطوير مستمرة. كما يتطلب إشراك الموظفين في القرارات التي تمس عملهم، وإتاحة قنوات تواصل مفتوحة لسماع آرائهم ومخاوفهم.

ومن طرق زيادة الأمان الوظيفي في المؤسسة:
الاستثمار في تطوير الكفاءات بدل الاستغناء عنها.
تبني خطط تعاقب وظيفي واضحة.
تقديم حزم مزايا عادلة وتنافسية.
تعزيز ثقافة التغذية الراجعة البنّاءة بدل ثقافة العقاب.
إدارة التغيير بشفافية، وإبلاغ الموظفين مسبقًا بأي تحولات استراتيجية.

عندما يغيب الأمان الوظيفي، تظهر فجوات واضحة في المؤسسة، تتراجع روح المبادرة، ويزداد الغياب الوظيفي، ويكثر التوتر بين الموظفين، وتتراجع الثقة بالإدارة، كما ينتشر التفكير قصير المدى، ويغيب الانتماء الحقيقي. الموظف الذي لا يشعر بالأمان يبدأ في البحث الصامت عن بدائل، حتى لو بقي جسديًا في مكانه.

سلبيات غياب الأمان الوظيفي لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد إلى المؤسسة والمجتمع، فالمؤسسة تخسر استقرارها وخبراتها المتراكمة، وتتحمل كلفة دوران الموظفين وتدريب الجدد، أما الفرد فيعيش ضغطًا نفسيًا يؤثر على صحته وعلاقاته الأسرية، وعلى مستوى المجتمع، يضعف الإحساس بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتهتز الثقة بالمؤسسات.

في النهاية، الأمان الوظيفي ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة إنسانية ومؤسسية، هو الجسر الذي يصل بين طموح الفرد واستدامة المؤسسة، وكلما شعر الإنسان أن عمله مساحة آمنة للنمو لا ساحة للتهديد، ازدهر عطاؤه، واستقرت حياته، وتحولت الوظيفة من مجرد مصدر دخل إلى مساحة تحقيق الذات وتسخير كل امكانياته لخدمة المؤسسة.

فالأمان الوظيفي، في جوهره، هو أن يعمل الإنسان وهو مطمئن… لا لأنه لا يخشى التغيير، بل لأنه يثق أن العدالة تحكم المكان الذي ينتمي إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE