منذ تأسيس التوحيد عام 1727م، لم يكن الحدث مجرد بداية سياسية، بل ولادة مشروع تاريخي امتد أثره عبر القرون، ذلك التأسيس الذي قامت عليه المملكة العربية السعودية لم يكن فعلاً عابراً في زمن مضى، بل مساراً متصلاً من الإرادة والصبر وإعادة البناء.
الدول التي تمتلك ثلاثة قرون من الذاكرة لا تقرأ تاريخها بوصفه سردًا منتهياً، بل بوصفه وعياً متجدداً، سقطت الدولة ثم عادت، وتفرقت ثم توحدت، لكنها في كل مرة كانت تعود أكثر صلابة، هنا تتجلى قيمة التوحيد لا كحدث، بل كمنهج؛ منهج يعرف أن الزمن شريك في صناعة الشرعية، وأن السيادة تُبنى بالتراكم لا بالانفعال.
التأسيس لم يكن احتفاء بالماضي بقدر ما كان استشرافاً للمستقبل، فالدول الراسخة لا تُبنى بردود الأفعال، بل بالنفس الطويل، ولا تستمد شرعية وجودها من ضجيج اللحظة، بل من قدرتها على الاستمرار رغم التحولات.
ومن هذا العمق التاريخي تتقاطع الأصالة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة، فإرادة الاتحاد في الإمارات، كما إرادة التوحيد في السعودية، ليستا شعارات، بل تجربتين تاريخيتين أثبتتا أن البناء الحقيقي يبدأ من الداخل، من وعي الإنسان ومسؤوليته تجاه وطنه.
حكمة الإمارات في إدارة مواقفها، وثباتها رغم تنوع الهجوم أو اختلاف الأصوات، تعكس فهم الدول العميق لمعنى السيادة، فالدولة الواثقة لا تنشغل برد فعل آني، بل تمضي في تعزيز اقتصادها، وترسيخ قوتها الناعمة، وصون هويتها الجامعة، والإخلاص لنهجها هو ما يمنحها استقرارها ومكانتها.
إن الأصالة التي تجمع الدولتين ليست تقارباً سياسياً فحسب، بل عمقاً تاريخياً يجعل كل منهما يحمل للآخر حقه، ويستحضر سنوات ومواقف سابقة في التاريخ لذكاء ترويض الحاضر، فالتاريخ حين يكون راسخاً، يصبح معياراً للسلوك وميزاناً للقرار، ومراياً لحقيقتها القيم الإنسانية والوطنية.. لا عبئاً على الحاضر.
وفي القضايا السيادية، تثبت التجارب أن الاستحقاق المتجذر في التاريخ أقوى من أي فعل عابر في الجغرافيا. فالصبر الاستراتيجي ليس عجزاً، بل إعادة تعريف لمركز القوة، والدول الأصيلة تدرك أن بعض الملفات تحتاج إلى وقت ويد ميدانية متمكنة، وأن الثبات جزء من معادلة العدالة.
العواصف قد تكسر الأغصان، لكنها لا تنال من الجذور التي تعانق الصخر، وهكذا تبقى الدول التي تأسست على إرادة صادقة قادرة على النهوض المتكرر، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز وحدتها ومكانتها.
لقد أراد الملك عبدالعزيز آل سعود، كما أراد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إنساناً يكون البوصلة؛ مواطناً واعياً لا تهزه الشائعات، ولا تغريه الشعارات، جذوره في التأسيس ورأسه في السيادة.. إنها وصية زعماء.
تأسيس التوحيد، وإرادة الاتحاد، ليسا فصلين منفصلين في التاريخ، بل مسارين متوازيين يؤكدان أن دول الخليج نبتت من إرادة أهلها، وبقيادات آمنت بالمسؤولية التاريخية، إنه الوجود قبل الحدود، والشرعية قبل الضجيج، والبناء قبل الادعاء.
وهكذا يبقى التاريخ مرشداً للحاضر، وتبقى السيادة ثمرة صبر وإخلاص، وتبقى الأصالة قوة هادئة تعرف كيف تصنع المستقبل بثقة.
نحن ليس أمام بوصلة بل مكانة قوية تجاهها تكون البوصلة، المنطقة الخليجية خُلقت من ثروات الفطرة، ولهذا تتجلى القيم لتغيير كل سهم حاول الاقتراب منا.
نبارك للمملكة العربية السعودية بذكرى يوم التأسيس السعودي، ونعتز بخطاب الوعي الحكيم وتفعيل سماته الوطنية في الإمارات.