19 أبريل 2026
د. آمنة مهنا الكعبي تكتب: المرونة الوطنية.. حين تتحول الأزمات إلى مساحات للنهوض

الأزمة الأخيرة التي مرت بها دولة الإمارات العربية المتحدة قيادةً وشعبًا كانت اختبارًا صعبًا وغامضًا، ولكن دولتنا الغالية، وبقيادتها وشعبها، اجتازته بنجاح مبهر مع مرتبة الشرف الأولى، والسبب الرئيسي المرونة الوطنية العالية وتلاحم القيادة والشعب.

المرونة الوطنية ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي روحٌ تسري في جسد الوطن، تمنحه القدرة على امتصاص الصدمات، وإعادة ترتيب أولوياته، والانطلاق من جديد بثقة أكبر وخبرة أعمق.

أما تعريف المرونة الوطنية فيمكن النظر إليه بوصفه قدرة الدولة، بمؤسساتها وأفرادها، على الاستعداد للأزمات والتعامل معها بكفاءة والتعافي منها بسرعة، بل وتحويلها إلى فرص للنمو والتطور، وهي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي أو الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل الجوانب الاجتماعية والنفسية والثقافية، مما يجعلها منظومة متكاملة من التوازن والوعي والتخطيط.

وتتعدد العوامل التي تسهم في بناء المرونة الوطنية، وفي مقدمتها القيادة الواعية التي تستشرف المستقبل وتخطط له وتضع سيناريوهات متعددة لمواجهة التحديات. كما تلعب المؤسسات القوية دوراً محورياً في ضمان استمرارية العمل بكفاءة حتى في أصعب الظروف. 

ولا يمكن إغفال أهمية التعليم النوعي الذي يزرع في الأفراد مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات والتكيف مع المتغيرات، ويأتي بعد ذلك الوعي المجتمعي، حيث يشكل المواطن الواعي خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات من خلال التزامه وتعاونه وإدراكه لمسؤوليته تجاه وطنه.

ولذلك لا نستغرب أبداً بروز المرونة الوطنية بشكل واضح في دولة الإمارات خلال الأزمات الأخيرة، فقد أثبتت التجارب أن ما بُني على رؤية استشرافية واستثمار في الإنسان وترسيخ لقيم الانتماء لا ينهار أمام التحديات، بل يزداد صلابة. لقد رأينا كيف تحولت التحديات إلى فرص، وكيف استمرت عجلة الحياة بسلاسة بفضل جاهزية الأنظمة وسرعة اتخاذ القرار وثقة المجتمع بقيادته.

وتتجلى صور المرونة الوطنية في مشاهد متعددة؛ في سرعة التحول إلى الحلول الرقمية، في استمرارية التعليم والعمل عن بُعد، في تكاتف المؤسسات لخدمة المجتمع، وفي المبادرات التطوعية التي تعكس عمق الانتماء، كما تظهر في قدرة الأفراد على التكيف مع الظروف الجديدة دون فقدان الأمل أو الإيجابية، بل مع الإصرار على الاستمرار والعطاء.

أما فوائد المرونة الوطنية فهي عميقة ومتعددة، فهي تعزز استقرار الدولة، وتقلل من آثار الأزمات، وتُسرّع من عملية التعافي، كما ترفع من ثقة المجتمع بنفسه وبقيادته. وهي أيضاً تفتح آفاقاً جديدة للابتكار، إذ غالباً ما تولد الأفكار العظيمة من رحم التحديات. والأهم من ذلك أنها تبني مجتمعاً قوياً نفسياً قادراً على مواجهة المستقبل بثبات.

وترتبط المرونة الوطنية ارتباطاً وثيقاً بالتكاتف واللحمة الوطنية، فكلما كان المجتمع أكثر تماسكاً كان أكثر قدرة على تجاوز الأزمات. فالأزمات لا تُهزم بالقرارات فقط، بل تُهزم بوحدة الصف وبروح التعاون وبإحساس كل فرد بأنه جزء من هذا الكيان الكبير. حين يشعر المواطن أن نجاح الوطن من نجاحه، وأن سلامته مسؤولية مشتركة، تتحول المرونة إلى ثقافة عامة لا إلى استجابة مؤقتة.

ولكي نزرع هذه القيمة في أبنائنا علينا أن نبدأ من التربية الواعية التي تعزز فيهم الثقة بالنفس والقدرة على التكيف وعدم الخوف من التغيير. يجب أن نعلمهم أن الفشل ليس نهاية الطريق بل بداية لفهم أعمق، وأن نغرس فيهم حب الوطن والانتماء الحقيقي له، لا كشعارات تُردد بل كسلوك يُمارس. كما ينبغي أن نتيح لهم الفرص للمشاركة وتحمل المسؤولية وخوض التجارب، لأن المرونة لا تُعلَّم بالكلام فقط بل تُبنى بالتجربة.

وفي الختام تبقى المرونة الوطنية ليست خياراً ترفياً بل ضرورة وجودية في عالمٍ لا يعرف الثبات، هي الدرع الذي يحمي والجسر الذي نعبر به نحو المستقبل. وحين تتجذر هذه القيمة في النفوس يصبح الوطن أكثر من مجرد أرض… يصبح كياناً حياً قادراً على النهوض في كل مرة، أقوى وأوعى وأكثر إشراقاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE