الثابت أن الحياء قيمة إنسانية لها أثر كبير في سكينة النفس والأسرة والمجتمع، إذ يتجلى في أخلاق الإنسان الحسنة، ويعد أحد معايير ضبط شهوات النفس وغرائزها، بما يضمن أداءها لوظائفها بشكل سليم، ويحول دون انحرافها إلى ارتكاب المشكلات والجرائم. ونرتئي بيان مكنوناته وآثاره على النحو الآتي:
أولًا: التعريف به: الحياءُ قيمةٌ إنسانيةٌ تتجلّى في ضبط الغرائز ضمن إطارها الطبيعي، وتُصان العلاقات من خلال الحياء على ثلاثة مستويات: الأول: الحياء من الله خالقه – سبحانه وتعالى – من خلال الالتزام بأوامر الخالق، ولذلك عُدَّ الحياء شُعبةً من شعب الإيمان، والثاني: الحياء من الناس، وذلك بكفّ الأذى عنهم قولًا وفعلًا، ومنع التقصير في حق صاحب الحق، فهو ترك كل قبيح لا يوافق القيم، والثالث: الحياء من النفس، ويكون ذلك بالعفة وصيانة الخلوات من كل ما هو شر.
بمعنى آخر، يشمل الحياء مجانبة الخصال المكروهة، إذ يعد قيمة مانعة من الوقوع في الشر، وبابًا يُفضي إلى كلّ خيرٍ وبرّ. إذ يقول سيدنا محمد نبي الرحمة (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم): "الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير".
فالحياء خلق أجمعت عليه رسالات الوحي الإلهي، وجاء على ألسنة المرسلين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
ثانيًا: حماية القانون الجنائي لقيمة الحياء: أسبغت أغلب التشريعات الجنائية حماية قانونية لقيم المجتمع بشكل عام، وعلى قيمة الحياء بشكل خاص؛ حمايةً للمجتمع من الانحلال الأخلاقي، وصون كيان الفرد والأسرة والمجتمع من كل ما يخدش حياءه ومنع أي اختراق لهذا السياج، كونها جوهر الإنسانية وأصل كل خير.
ونذكر من التشريعات التي كفلت حماية قيمة الحياء، قانونُ العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدّل والنافذ، إذ جرّم المساس بها تحت عنوان (الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة)، وذلك ضمن المواد (393–404).
كما تناول قانون العقوبات الإماراتي رقم (31) لسنة 2021 النافذ هذه الأفعال في الفصل الخامس تحت عنوان (الجرائم الواقعة على العرض)، في المواد (407–424)، وينسحب الحكم ذاته على قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937 المعدّل والنافذ، حيث عالج هذه الجرائم في المواد (267–279)، وفضلاً عمّا تقدّم، قد توجد تشريعات أخرى ذات طابع جزائي تُجرّم بعض الأفعال، ومنها انتهاك حرمة الحياء.
وشملت أطر الحماية تجريم الأفعال المخلة بالحياء والآداب العامة التي تُرتكب بحق الآخرين، وذلك من خلال قيام الشخص بأفعال فاضحة علنية، نذكر منها: التحرش، وارتكاب أفعال الشذوذ الجنسي، أو أي إشارات أو تصرفات ذات إيحاءات جنسية، فضلاً عن جرائم الاغتصاب، واللواط، وهتك العرض، والتحريض على الفسق والفجور، وكذلك الجهر بأغانٍ ذات أقوال فاحشة أو مخلة بالحياء، سواء بشكل مباشر أو باستخدام أجهزة آلية في الأماكن العامة، أو نشر الافعال المخلة بالحياء عبر مواقع التواصل الاجتماعية.
ثالثًا: آثار التحلي بقيمة الحياء: إن للتمسك بقيمة الحياء آثارًا إيجابية جمة تعود على الفرد والأسرة والمجتمع، ونرتئي ذكر بعضٍ منها في هذا المقام، وبشكل موجز لعدم الإسهاب قدر الإمكان:
1- إن التحلّي بالقيم دليلٌ على توازن الفرد داخليًا، وقدرته على تنظيم غرائزه، ويتجلّى ذلك في ضبط الغريزة الجنسية، مما ينعكس في أخلاقه الحسنة عند تعامله مع الناس.
2- يُعطي الحياءُ انطباعًا صحيحًا لدى من حوله، مما يعزّز الثقة والاطمئنان إليه؛ فحاملُ القيم لا يُخيف من حوله.
3- إن التحلي بالحياء لا يأتي إلا بالخير للإنسان، ويعيش بخير مع من حوله، فيمنعه من اختراق حرمة حياة أناس آخرين، ويكون سببًا في إيجاد وسائل رزق عديدة لأنه قوي وصاحب إرادة في ضبط غريزته. وفي هذا المقام قال الشاعر:
يَعِيشُ المَرْءُ مَا اسْتَحْيَا بِخَيْرٍ ... وَيَبْقَى العُودُ مَا بَقِيَ اللِّحَاءُ
فَلا وَاللَّهِ مَا فِي العَيْشِ خَيْرٌ ... وَلا الدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ
4- إن التحلي بالحياء يثمر في كل جوانب الحياة ومنها: ان الشخص يكون نظيف السجل الجنائي في القضاء والمجتمع، بعيدًا عن الجرائم المخلة بالحياء، مما يحفظ له شرفه واعتباره، ويمنحه مكانة رفيعة وسمعة طيبة عند التقدم لطلب عمل أو لخطبة فتاة، كما ينعكس ذلك إيجابًا على سمعة الفتاة المتحلية بالحياء، وعلى سلوك الإنسان عامة في مختلف شؤون الحياة. ولذلك قال بعض البلغاء: "حياة الوجه بحيائه، كما أن حياة الغرس بمائه".
5- ومن آثارها تكوين مناعة فكرية ضد الأفكار المخلة بالحياء التي باتت منتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي، كما تشكل ميزانا للتمييز بين المقبول والمرفوض. وبدون هذا الميزان يعيش الشخص في حالة من التقليد الأعمى والتخبط الفكري، مما ينعكس سلبًا على سُلوكه اليومي ويؤدي إلى نشوء المشكلات والجرائم. ولأهمية هذا الموضوع فقد تناولناه بالتفصيل من الجوانب القانونية والاجتماعية والنفسية في مؤلف خاص.
6- ذكر القاضي ابن حبان في كتابه (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص 50) بيان إطار قيمة الحياء، وهي تجربة إنسانية حكيمة ودرر نافعة للإنسانية يستأهل ذكرها، إذ قال: "ان المرء اذا اشتد حياؤه صان عرضه، ودفن مساويه، ونشر محاسنه، ومن ذهب حياءه ذهب سروره، ومن ذهب سروره هان على الناس ومقت، ومن مقت اوذي، ومن اوذي حزن، ومن حزن فقد عقله، ومن اصيب في عقله كان اكثر قوله عليه لا له، ولا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ومن قل حياءه صنع ما شاء وقال ما احب".
رابعًا: الخاتمة: حفاظًا على كيان الأسرة بوصفها النواة الأساسية للمجتمع، وتفاديًا لآثار الجرائم بشكل عام، ومنها الجرائم المخلة بالحياء والآداب العامة، وتحقيقًا لترسيخ القيم، يقتضي الأمر توجيه الأطفال من قِبل الوالدين، والطلبة من قِبل المربين والمعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات، كلٌّ حسب موقعه، نحو التمسك بالقيم الإنسانية والأعراف الاجتماعية السليمة، ومنها قيمة الحياء، مع التأكيد على المتابعة المستمرة لسلوكهم.
فالقيم، ومنها الحياء، تُغرس في كنف الأسرة، وتترسخ في ميادين التعليم، لتنعكس آثارها إيجابًا على المجتمع، بما ينسجم مع الفطرة السليمة. فضلًا عن ذلك، يتجلى ترسيخ هذه القيم في الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم، من خلال نشر الأحكام القضائية دون الإشارة إلى أطراف الدعوى، تحقيقًا للردع العام في المجتمع.
نبذة عن الكاتب
الدكتور عماد يوسف خورشيد، أستاذ القانون الجنائي المساعد بالجامعة التقنية الشمالية / العراق.