أكثر من قرن مضى على وفاة ألفريد نوبل، لكن الثروة التي تركها وراءه لا تزال تؤدي الدور الذي حدده لها في وصيته. فمنذ انطلاق جوائز نوبل مطلع القرن العشرين، نجحت إدارة أصول هذه الثروة في تحويل إرث رجل الأعمال والمخترع السويدي إلى مصدر تمويل مستدام يتيح سنوياً منح ملايين الكرونات للإنجازات البارزة في العلوم والأدب والسلام.
ومع حلول خريف كل عام، تتجه أنظار العالم إلى ستوكهولم لمتابعة الإعلان عن أسماء الفائزين بجوائز نوبل، غير أن وراء هذا الحدث العالمي منظومة مالية متكاملة تعمل بعيداً عن الأضواء. فالقيمة المالية للجوائز لا تعتمد على مخصصات حكومية أو موازنة عامة، وإنما على عوائد استثمارات تديرها مؤسسة نوبل بهدف الحفاظ على رأس المال وتنميته بما يكفي لتمويل الجوائز وتكاليفها عاماً بعد عام.
وتأتي الأموال التي يحصل عليها الفائزون في 2026 عن إنجازاتهم في الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والسلام من محفظة استثمارية يعود أصلها إلى ثروة ألفريد نوبل، مخترع الديناميت عام 1867، الذي وضع في وصيته آلية تضمن استمرار استخدام أمواله في تكريم أصحاب الإسهامات الاستثنائية لأكثر من 125 عاماً.
جذور ثروة نوبل
حين توفي ألفريد نوبل عام 1896، كانت ثروته تقدر بنحو 33 مليون كرونة سويدية، جمعها من براءات الاختراع والمصانع والاستثمارات التي راكمها طوال حياته.
وكان من بين استثماراته مساهمته في شركة "الإخوة نوبل لإنتاج النفط"، المعروفة باسم "برانوبل"، والتي أسسها شقيقاه روبرت ولودفيغ في مدينة باكو، التي كانت آنذاك من أبرز مراكز صناعة النفط في العالم.
وعقب وفاته، جرى بيع أسهم نوبل في الشركة، وأضيفت حصيلتها إلى الأموال التي شكلت لاحقاً رأس مال مؤسسة نوبل. وكانت وصيته، التي وقعها عام 1895، قد نصت على تخصيص الجزء الأكبر من ثروته لصندوق يتم استثماره في أصول مالية آمنة، على أن تستخدم العوائد السنوية في منح الجوائز التي حددها في وصيته.
رحلة التأسيس.. كيف نما رأس المال عبر أكثر من قرن؟
استلزم تنفيذ وصية نوبل في بدايتها تصفية ممتلكاته واستثماراته في الخارج، وتسوية الالتزامات والضرائب المترتبة عليها، قبل إعادة تحويل الأموال إلى السويد. وبعد استكمال هذه الإجراءات، بلغ رأس المال النهائي المخصص للصندوق نحو 31.5 مليون كرونة سويدية.
وفي عام 1900، تأسست "مؤسسة نوبل" لتتولى إدارة هذه الثروة والإشراف على استثمارها، بحيث توجه العوائد إلى تمويل الجوائز، إلى جانب تغطية نفقات لجان الاختيار والفعاليات والأعمال الإدارية المرتبطة بها.
ومع انطلاق أول دورة لجوائز نوبل عام 1901، بلغت قيمة الجائزة 150,782 كرونة سويدية. أما في عام 2026، فقد ارتفعت قيمة الجائزة الكاملة إلى 12 مليون كرونة، أي ما يعادل نحو 1.2 مليون دولار، في انعكاس للنمو الذي حققه رأس المال على مدار أكثر من 100 عام من الاستثمار.
تنويع المحفظة الاستثمارية
على مدار العقود التالية، لم تكتف مؤسسة نوبل بالاعتماد على السندات والأدوات المالية منخفضة المخاطر، بل طورت استراتيجيتها الاستثمارية تدريجياً لتشمل مجموعة أوسع من الأصول، بهدف تحقيق عوائد مستقرة والحفاظ على القدرة الشرائية لرأس المال.
وأظهرت أزمات الأسواق المالية حدود الاعتماد على بعض أنواع الأصول، إذ تعرضت محفظة المؤسسة لخسائر خلال فترات اضطراب رئيسية، من بينها انفجار فقاعة شركات التكنولوجيا في مطلع الألفية والأزمة المالية العالمية عام 2008.
ودفعت تلك التجارب المؤسسة إلى تعزيز تنويع محفظتها بين الأسهم وأدوات الدخل الثابت والعقارات والاستثمارات البديلة، مع اعتماد رؤية طويلة الأجل لإدارة الأصول، بما يساعد على تحقيق التوازن بين تنمية رأس المال وتمويل الجوائز بصورة مستدامة.
وبحلول نهاية عام 2025، وصلت قيمة محفظة مؤسسة نوبل الاستثمارية إلى نحو 6.5 مليار كرونة سويدية، بما يعادل قرابة 647 مليون دولار. وتوزعت الأصول بنسبة 56% في صناديق الأسهم، و22% في الاستثمارات البديلة، و13% في أدوات الدخل الثابت والنقد، بينما استحوذت العقارات والبنية التحتية على 8% من إجمالي المحفظة.
آليات التمويل وتغطية النفقات
في جوهر النموذج المالي لمؤسسة نوبل، تُستخدم عوائد الاستثمار في تغطية قيمة الجوائز والنفقات المرتبطة بإدارتها وتنظيمها، في حين يُعاد استثمار جزء من العوائد بدلاً من توزيعه بالكامل، بما يهدف إلى حماية القيمة الحقيقية لرأس المال والحفاظ على قدرته المستقبلية على توليد الإيرادات.
وخلال عام 2025، أنفقت مؤسسة نوبل نحو 148.1 مليون كرونة سويدية، أي ما يقارب 14.75 مليون دولار، على الجوائز وتعويضات لجان الاختيار وفعاليات "أسبوع نوبل" والنفقات الإدارية. وشكلت قيمة الجوائز نفسها 55 مليون كرونة، بما يعادل نحو 5.48 مليون دولار.
وفي المقابل، تعتمد المؤسسة على أداء محفظتها الاستثمارية لتوفير الموارد اللازمة لهذه النفقات، إذ سجلت استثمارات رأس المال عائداً بلغ نحو 0.9% خلال عام 2025، مقارنة بعائد قدره 11.6% في 2024.
أما جائزة العلوم الاقتصادية، فتختلف عن الجوائز الخمس التي حددها ألفريد نوبل في وصيته. فقد أنشأها البنك المركزي السويدي عام 1968، وهو الجهة التي تتحمل تمويل قيمتها والتكاليف المرتبطة بها، ولذلك لا تُعد رسمياً واحدة من جوائز نوبل الأصلية.