يمثل شهر رمضان في دولة الإمارات مناسبة فريدة تجمع بين البعد الروحي والاجتماعي، حيث تمتزج القيم الدينية بالعادات المتوارثة، في مشهد يعكس تماسك المجتمع وعمق جذوره الثقافية، ورغم تسارع مظاهر الحداثة، يظل الشهر الفضيل مساحة جامعة تُبرز الهوية الإماراتية وتؤكد استمراريتها عبر الأجيال.
تبدأ الاستعدادات الرمضانية قبل حلول الشهر الكريم، مع بداية شهر شعبان، إذ تُحرص الأسر على تدريب الأبناء على الصيام وغرس القيم الدينية منذ الصغر، كما تنشغل النساء بإعداد الملابس التراثية مثل الكنادير والجلابيات، واقتناء الزينة المستوحاة من رموز الهلال والنجمة، ويظل نقش الحناء بطقوسه التقليدية جزءاً أصيلاً من التحضيرات.
تُعد ليلة النصف من شعبان، المعروفة بـ"حق الليلة" أو "القرقيعان"، أولى إشارات استقبال رمضان، حيث يرتدي الأطفال الملابس الشعبية ويجوبون الأحياء مرددين الأهازيج، فيما يوزع الأهالي الحلوى والمكسرات، ومع انتهاء هذا الاحتفال، تنطلق أعمال تزيين المنازل والأحياء، وتجهيز المجالس والخيم الرمضانية، إضافة إلى إعداد المساجد لاستقبال المصلين.
يمتد دور الأسرة في رمضان إلى ما هو أبعد من الامتناع عن الطعام والشراب، إذ يتحول الشهر إلى فرصة لغرس قيم الصبر والمسؤولية والعطاء لدى الأبناء.
وتُشرك الأسر الأطفال في تجهيز "المير الرمضاني" ومساعدة المحتاجين، وتشجعهم على التصدق بما يعزز روح المشاركة والمسؤولية الاجتماعية منذ الصغر، وهو ما يحافظ على الهوية الثقافية وينقل الموروث إلى الأجيال الجديدة.
ارتبط المجتمع الإماراتي قديماً بعادة تحري هلال رمضان بعد صلاة المغرب، حيث كان الإعلان عن ثبوت الرؤية يتم بوسائل بسيطة مثل إطلاق الأعيرة النارية أو الإبلاغ الشفهي، أما اليوم، فتتولى لجان رسمية ووسائل فلكية دقيقة هذه المهمة، في صورة تعكس التوازن بين احترام الموروث ومواكبة التطور العلمي.
يظل مدفع الإفطار من أبرز الرموز الرمضانية في الإمارات، إذ يعلن غروب الشمس يومياً، وسط اهتمام الأهالي والزوار الذين يحرصون على متابعة هذه اللحظة لما تحمله من بعد تراثي ووجداني.
ساهمت التطورات التكنولوجية في تعزيز الروابط الاجتماعية خلال الشهر الكريم، إذ أسهمت وسائل التواصل في توسيع المشاركة في الفعاليات الرمضانية ونشر صورها إلى العالم، كما ساعدت في توثيق الأطباق والعادات بالصوت والصورة، ما أسهم في الحفاظ على التراث المحلي ونشره.
تحافظ المائدة الإماراتية في رمضان على أطباق تقليدية تتصدرها الهريس والثريد، إلى جانب اللقيمات والسمبوسة والبلاليط، فيما يظل التمر والقهوة العربية حاضرين في كل بيت، كما تحظى الحلويات اليومية مثل الكريم كراميل والمهلبية بحضور ثابت، بينما يبقى السحور بطابع خفيف يحافظ على الأجواء العائلية الدافئة، لتظل هذه الأطباق جزءاً أساسياً من تجربة الشهر الكريم.
تبقى المجالس والخيم الرمضانية مساحة محورية للتلاقي بعد صلاة التراويح، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء في أجواء تعكس روح "الباب المفتوح" التقليدية التي كانت سمة الموروث الإماراتي، رغم تغير أنماط الحياة، ما زالت التجمعات العائلية تشكل جوهر الشهر، حيث تتيح الإفطار الجماعي تعزيز الترابط الأسري وإحساس الجميع بقيمة الشهر الكريم.
تشهد المساجد حضوراً كثيفاً خلال رمضان لأداء صلوات التراويح والقيام، بالإضافة إلى تنظيم الدروس الدينية وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وفي الوقت نفسه، يتحول الشهر إلى موسم للعطاء، مع كثافة المبادرات الإنسانية وموائد إفطار الصائم وتوزيع المساعدات، في تجسيد عملي لقيم التراحم والتكافل التي تشكل جزءاً أساسياً من الثقافة الإماراتية.