22 فبراير 2026
مدينة تحت البلاستيك في إسبانيا تطعم أوروبا.. فما الثمن؟

مدينة بيضاء تمتد على مد البصر في أقصى جنوب إسبانيا، حيث تتصل اليابسة بزرقة المتوسط، لتشكّل مشهداً فريداً يبدو كأنه صفحة ناصعة تغطي الساحل. 

هناك، في إقليم الأندلس، تتسع رقعة هائلة من البيوت الزراعية المغطاة بالبلاستيك في محافظة ألميريا، فيما يُعرف باسم البحر البلاستيكي، على مساحة تتجاوز 30 ألف هكتار ضمن خليج ألميريا.

ومن الجو، قد يُخيَّل للناظر أنه أمام قمم مكسوّة بالجليد أو كتل قطبية متراصة، غير أن الحقيقة هي منظومة مترامية من الدفيئات المشيدة بهياكل سلكية ومغطاة بطبقات بلاستيكية بيضاء، حتى إنها تُرصد عبر صور الأقمار الصناعية، وفق ما أوردته مجلة The Economist.

نشأت هذه الدفيئات في ستينيات القرن الماضي كوسيلة بسيطة لحماية المزروعات من مناخ قاسٍ يتسم بشح الأمطار وهبوب رياح قد تتجاوز سرعتها 100 كيلومتر في الساعة، غير أن المزارعين لاحظوا سريعاً أن البيئة المغطاة بالبلاستيك تعزز نمو النباتات وترفع إنتاجيتها، ما أدى إلى توسع متسارع في إنشاء البيوت الزراعية.

حالياً، يبلغ إنتاج المنطقة نحو 3.5 ملايين طن من الخضروات سنوياً، وهي كمية تكفي لإمداد قرابة نصف مليار إنسان بالغذاء، وتتنوع المحاصيل بين الفلفل الحلو والطماطم والبطيخ والكوسة والباذنجان والخيار.

ولم يقتصر تأثير الغطاء البلاستيكي على الزراعة فحسب، بل أسهم أيضاً في تشكيل مناخ محلي أكثر اعتدالاً، إذ يعكس جزءاً من أشعة الشمس ويخفض متوسط الحرارة بنحو ثلاث درجات مئوية كل عقد منذ تسعينيات القرن الماضي، رغم المنحى التصاعدي لدرجات الحرارة عالمياً.

لكن العمل داخل هذه الدفيئات ليس يسيراً؛ إذ قد ترتفع الحرارة تحت الأغطية البلاستيكية إلى نحو 50 درجة مئوية، ما يجعل بيئة العمل مرهقة ومحفوفة بالمخاطر الصحية، ويعمل في هذا القطاع أكثر من 70 ألف عامل مهاجر لساعات طويلة وبأجور تقل عن الحد الأدنى المعتمد في إسبانيا، فيما يقيم عدد كبير منهم في مساكن مؤقتة مشيّدة من البلاستيك ذاته داخل المنطقة.

ورغم قسوة الظروف، تشهد المساحات الممتدة بين البيوت الزراعية مظاهر حياة يومية، حيث تنتشر متاجر ومقاهٍ ودور عبادة وملاعب كرة قدم في قرى مثل باليرما، ما يعكس نشوء مجتمع متكامل داخل هذا الامتداد الزراعي.

وقد وصف المصور الإيطالي أليساندرو غاندولفي المشهد بأنه أقرب إلى لقطة سينمائية يصعب تصديق واقعيتها، نظراً لطابعه البصري الاستثنائي.

ويرجّح باحثون أن يسهم التطور في تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في تقليص الاعتماد على العمالة المهاجرة مستقبلاً، غير أن منطقة كامبو دي دالياس لا تزال حتى اليوم نموذجاً معقداً يجمع بين الإنتاج الزراعي المكثف والبنية السكنية والنشاط الصناعي، مع استمرار التجارب لتطوير أساليب زراعة أكثر كفاءة واستخدام مبيدات أكثر أماناً داخل البيوت البلاستيكية.

وتُعد هذه التجربة مثالاً بارزاً على الزراعة المكثفة القادرة على تحقيق إنتاج ضخم في بيئة طبيعية صعبة، إلا أنها في الوقت ذاته تطرح تحديات اجتماعية وإنسانية تتصل بظروف العمل والمعيشة ضمن هذا النظام الزراعي الصناعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكترونى

كل التعليقات

طلبات الخدمات
تواصل معنا
جميع الحقوق محفوظة لصالح سعادة نيوز© 2026
Powered by Saadaah Enterprises FZ LLE